مدونة اللغة العربية

بلعالية محمد*غليزان*

الأدب الأندلسي وفنونه


الأدب الأندلسي وفنونه
مقدمة
لقد فتح المسلمون الأندلس عام 92 للهجرة وظلت تحت راية الإسلام اكثر من ثمانية قرون حتى عام 898 هـ، تاريخ خروج المسلمين منها. وتعد الأندلس جسرا ثقافيا بين الشرق والغرب فعن طريقها تنسم الغرب النصراني نفحات الحضارة العربية الإسلامية. وهي حضارة حلقت بجناحين، جناح العقيدة وهي الدين الإسلامي، وجناح اللغة العربية ومن ثم كان الأدب في الأندلس عربيا في لغته وبلاغته وأساليبه وقد امتزج كل ذلك بكثير من طبيعة البيئة الأندلسية التي نشأ في أحضانها.
فالحركة الأدبية في الأندلس صيغت على شكل الحركة الأدبية في المشرق وذلك بسبب سرعة الاتصال بينها وبين المشرق، فعلماؤها وأدباؤها يرحلون إليه كما يرحل إليها علماؤها وأدباؤها, ومن لم يذهب إلى المشرق إلى المشرق الى الأندلس أرسل اله بآثاره إن نقلها إليه هؤلاء الأندلسيون الذين يجوبون الأقطار الشرقية للبحث عن المنابع الهامة للأدب و الثقافة.
لهذا سوف نتناول هنا في بحثنا هذا فنون الادب الاندلسي الذي تنوع تبعا للعصور السياسية التي مر بها واثرت به في كافة الصور والاشكال.
فموضوع بحثنا هنا الفنون الادبية في الاندلس على اختلافها من حي ثالشعر والنثر.
راجين من المولى عز وجل ان يوفقنا الى خير يرضاه ويحبه،،،
الفنون الأدبية في الأندلس
تشمل الفنون الأدبية في الأندلس الشعر بأنواعه: التقليدي والموشحات والزجل وكذلك النثر من ترسل ومقامات وتوقيعات وخلافه.
أولا: الشعرالاندلسسي
يلفت النظر شيوع الشعر في المجتمع الأندلسي إذ لم يكن الشعر وقفا على الشعراء المحترفين وانما شاركهم في ذلك الأمراء والوزراء والكتاب والفقهاء والفلاسفة والأطباء و أهل النحو والغة وغيرهم. فالمجتمع الأندلسي بسبب تكوينه الثقافي القائم على علوم العربية وآدابها، ثم طبيعة الأندلس التي تستثير العواطف وتحرك الخيال كل ذلك جعل المجتمع يتنفس الشعر طبعا وسليقة وكأنما تحول معظم أهله إلى شعراء .
اتجاهات الشعر الاندلسي
ينقسم الشعر في الأندلس إلى ثلاثة اتجاهات:
1-الاتجاه المحافظ:
يهتم هذا الاتجاه بالموضوعات التقليدية ويتبع منهج القدماء في بناء القصيدة، وأسلوبه يدوي وفي ألفاظه جزالة وعبارات لا تخلو من خشونة وحوشية، و أما بحوره فطويلة وقوافيه غنائية.
هذا الاتجاه يحتذي نماذج المشرق وان كان في واقع الأندلس في تلك الفترة وهي فترة تأسيس الإمارة ما يسوغ غلبة الموضوعات التقليدية وهي سمة اشعر المحافظ.
فالفترة كانت فترة صراعات وحورب تتطلب شعرا يعبر عن الفخر والحماسة، كما كان الحكام عربا تهزهم أريحية المدح والكرم. أما الغزل فكان يعبر عن الحب الصادق فلا مجال لفارس عاشق او عاشق فارس يكر بعنترة بن شداد. ولعل أهل الأندلس كانوا يتمثلون عالم الآباء والأجداد حيث الصحراء والكثبان والواحات وهم في عالم الأندلس الذي يبعد عن ذلك العالم. وكانوا يستلهمون العالم المثالي. وقد فطن ابن بسام لتقليد الأندلس للمشرق أطلق العبارة التي أصبحت مثلا و هي قوله: (( إن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق يرجعون إلى أخبارهم المعتادة رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب لجثوا على هذا صنما وتلوا ذلك كتابا محكما)).
وبالرغم من ذلك فقد كان لهذا الاتجاه سماته الخاصة في الشعر الأندلسي وقد جعلت تلك السمات لهذا الشعر ذاتية مستقلة وطبعت الملامح الأولى للشعر الأندلسي وميزته عن الشعر المشرقي.
شعراء الاتجاه المحافظ
ومن اشهر شعراء هذا الاتجاه عبد الرحمن الداخل وأبو المخشي والحكم بن هشام وعباس بن ناصح وغيرهم من شعراء الفترة الباكرة.
عبد الرحمن الداخل:
هو عبد الرحمن بن معاوية بن هاشم بن عبد الملك، ولد في إحدى قرى دمشق سنة 113 هـ. كان عبد الرحمن شاعرا مجيدا وناثرا بليغا، وكان شعره يصوره بجوانبه المختلفة كانسان ومحارب وكسياسي. ويلاحظ على شعره انه يتسم بسمة التركيز العاطفي ولغته تميل إلى السلاسة والرقة وتجانب العقيد والغموض والغريب.
وهو وان كان مشرقي المولد والنشأة إلا انه يعتبر أندلسي الحياة والشعر، وذلك لانه وفد الى الأندلس في شبابه الباكر، وتأثر اكثر ما تأثر بما كان في الأندلس من حياة طويلة عريضة مزدحمة بالأحداث والتجارب، حتى كان كل ما اثر عنه من شعر قد قيل في الأندلس ومن هنا جاء شعره جميعا مرتبطا بالأندلس متأثرا بها.
2-الاتجاه المحدث:
وهو الاتجاه الذي حمل لواءه بالمشرق أبو نواس ومسلم بن الوليد وأبو العتاهية حيث ثاروا على الاتجاه المحافظ وطرقوا موضوعات جديدة بأسلوب جديد خالفوا فيه طريقة القدماء في بناء القصيدة.
عرف الأندلس هذا الاتجاه على يد عباس بن ناصح حيث نقله من المشرق. وتمثل الاتجاه المحدث في الأندلس باهتمامه بأغراض لم تكن قائمة بذاتها في القصيدة من قبل. فظهرت الخمريات والغزل الشاذ والمجون والزهد، كل ذلك في أسلوب قصصي لا يخلو من روح الدعابة والسخرية. أما صوره فتتألف من عناصر حضرية في لغة يسيرة الألفاظ وإيقاع يميل إلى البحور القصيرة والقوافي الرقيقة.
وجد هذا الاتجاه صدى واسعا في الأندلس إذ أن حياة الأندلس انفتحت على لون من الترف ودعة العيش، فكثرت مجالس الموسيقي والغناء بفضل ما ادخله زرياب من الحان وآلات ثم بفضل ما لقيه من الحكام من تشجيع وعناية. فتلقى الشعراء هذا الاتجاه بالإعجاب لأنه اصدق في التعبير عن واقعهم وعن حياتهم التي غمرها الترف ورقة العيش. ويعد الشاعر يحي بن حكم الغزال من اشهر رواد الاتجاه المحدث.
3- الاتجاه المحافظ الجديد:
ظهر هذا الاتجاه في المشرق بسبب تطق الاتجاه المحدث ومن ثم هو محاولة لاعادة الشعر العربي إلى طبيعته والى موروثة دون جمود او بداوة. عمدا هذا الاتجاه إلى الإفادة من رقى العقل العربي بما بلغته الثقافة العربية الإسلامية من نهضة واسعة في مجتمع توفرت له أسباب الحضارة. وكان هذا الاتجاه محافظا في منهج بناء القصيدة ولغتها وموسيقاها وكذلك في قيمها واخلاقها وروحها ولكنه مجدد في المضمون وفي معاني الشعر وصوره وكذلك في أسلوبه. ويمثل أبو تمام و البحتري والمتنبي دعائم هذا الاتجاه في المشرق. وقد عرفت الأندلس هذا الاتجاه على يد نفر من الأندلسيين رحلوا للمشرق وعادوا للأندلس بأشعار البحتري وأبو تمام. وكانت فترة الخلافة هي ذروة نضجه، اذ كان المجتمع الأندلسي في هذه الفترة قد تجاوز الانبهار بالمستحدثات الحضارية التي بهرت شعراء القرن الثاني فعبروا عنها في لهو ومجون وتمرد. ولكن في القرن الثالث كان المجتمع الأندلسي اكثر استقرارا وتعقلا ومن ثم وجد الاتجاه المحافظ قبولا واصبح هو الصورة المثلى للشعر الفصيح متجاوزا الاتجاهين القديم والمحدث.
تأثرت أشعار الأندلس ومنذ القرن الثالث بهذا الاتجاه في المنهج والروح والأفكار واللغة والموسيقى والصياغة والأسلوب. و أضحى شعر أعلام المشارقة هو النموذج الذي يحتذي به. ومن أعلام هذا الاتجاه في الأندلس ابن عبد ربه وابن هاني والرمادي وغيرهم .
أغراض الشعر الأندلسي
عالج شعراء الأندلس مختلف أغراض الشعر وان تميزت بعض الأغراض باهتمام اكثر من غيرها. ويمثل الشعر خاصة أحد جوانب الحضارة العربية الأندلسية، فقد عبر عن قوالب تلك الحضارة وعن مضمونها، كما عبر عن طبيعة الصراعات السياسية والتغيرات الاجتماعية في الأندلس. من أهم الأغراض التي عالجها الشعر الأندلسي الغزل ، المدح ، الرثاء، الزهد والتصوف، الموشحات والمقامات.
الغزل:
من أوضح سمات الغزل تلك الرقة في العواطف المعبر عنها في رقة البيان وكان للحياة الأندلسية دور إيجابي في طبيعة شعر الغزل ، فهو غزل حسي يقف عند حدود الوصف المادي مستعيرا أوصاف المحبوب من البيئة حوله. وبالرغم من ذلك فهناك من اتخذوا الغزل العفيف مذهبا لهم كابن فرج الجياني الذي يقول:
وطالعه الوصال صددت عنها ومـا الشيطان فيها بالمطاع
بدت في الليل سافرة فباتت ديــاجي الليل سافرة القناع
فملكت الهوى جمحات قلبي لأجري في العفاف على طباعي
سمات الغزل الأندلسي:
من أهم سمات الغزل الأندلسي ارتباطه بمجالس اللهو والخمر وتعبيره عن تلك الحياة اللاهية. ومن ثم لم يسلم الغزل من ألفاظ نابية خاصة في عصر ملوك الطوائف حيث أسرف في معانيه معبرا عن مستوى ماجن.
كما كان الغزل الشاذ غرضا شعريا له رواده، وان لم يكثروا منه كابي نواس في المشرق مثلا. وبالمثل يبدو تأثير البيئة في الغزل بالفتيات النصرانيات وذكر الكنائس والأديرة والرهبان والصلبان وما إلى ذلك من معطيات البيئة الأندلسية.
فشعر الغزل الأندلسي يظهر جانب منه مشاعر عميقة مذهلة، ويفيض بعضه توقيرا عميقا للمرأة، وكان ذلك غريبا على أوروبا المسيحية يومها. وروح هذه القصائد وحركتها وإيقاعها مزج من الوجد الحنون ومن العواطف الحادة. واجمل ما في الغزل الأندلسي بجانب لطف التعبير أن الصادق منه شديد التأثير خاصة حين يبكى الشاعر ويحن في إيقاع متكلف. ويمثل ابن زيدون قمة هذا الاتجاه خاصة في قصائده إلى ولادة بنت المستكفي ومن أجملها قوله في نونيته:
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
ومن اشهر شعراء الغزل في الأندلس ابن زيدون وابن سهل الإسرائيلي وابن شهيد وان كان كل الشعراء قد أدلوا بدلوهم في شعر الغزل.
المدح:
كان شعر المدح موجها إلى الأمراء الخلفاء والحكام ويتناول جانبين من حياتهم: أولهما الصفات التي يخلعها الشاعر على ممدوحه من شجاعة ووفاء وكرم، والجانب الثاني انتصارات الممدوح التي هي نصر وعز للإسلام والمسلمين ثم وصف لمعاركهم الحربية.
ويتراوح أسلوب المدح بين الجزالة والسهولة والفخامة الرقة وفقا لطبيعة المعاني المعبر عنها. ولكنه بوجه عام يميل إلى التأنق في العبارة والصياغة وقد تختلف طريقة بناء قصائد المدح بين شاعر وآخر، فبعضها كان ينهج نهج الأقدمين فيبدأ بمقدمة طللية ونسيب ووصف للرحلة ثم يتخلص إلى المدح، بينما نجد من الشعراء من يعمد الى موضوعه مباشرة دون مقدمات وصنف ثالث يقدم ما بين يدي ممدوحه شيئا من الغزل او وصف الطبيعة او مجالس الخمر او الشكوى والعتاب وعقب ذلك ينتقل الى المدح.
ومن اشهر شعراء الأندلس في هذا الغرض الشعري ابن حمديس وابن هاني وابن زيدون وابن دراج القسطلي.
ابن هاني:
هو أبو القاسم بن هاني وهو عربي الأصل إذ ينسب الى المهلب بن ابي صفرة الازدي الذي اشتهر بحروبه وانتصاراته على الخوارج وفي خراسان لعصر أبى أمية. ومن يرجع إلى شعره يجد أكثره في المديح ومعانيه فيه هي نفس المعاني التي نلقاها في الشعر العربي عند العباسيين ومن قبلهم .
ابن دراج القسطلي
لقد كان ابن دراج شاعرا ممتازا ومن الافذاذ الذين ظهروا في الاندلس. وكان كاتب المنصور بن ابي عامر وزي الامويين كما كان شاعره. وهو يميل الى الغريب في شعره والتصنع للثقافات، ويعنى باللفظ الطنان وقعقعاته وقد تعلق مثل المتنبي في مطلع مدائحه بشكوى الدهر والسخط على الناس في عصره وساعده على ذلك انه كان عصر فتن وثورات على الامويين واستعداد لظهور ملوك الطوائف.
الرثاء
أما شعر الرثاء في الأندلس في معناه التقليدي فلم يكن من الأغراض الرائجة وظل يحذو حذو نماذج الشعر المشرقي حيث يستهل برد الفواجع ووصف المصيبة التي حلت بموت الفقيد وعادة تستهل القصيدة بالحكم وتختم بالعظات والعبر.
أما رثاء المدن والممالك فهو الغرض الأندلسي الذي نبعت سماته وأفكاره من طبيعة الاضطراب السياسي في الأندلس وكان مجال إبداع في الشعر الأندلسي. فرثاء المدن في الأندلس كان من أهم الأغراض الشعرية إذ كان مواكبا لحكة الإيقاع السياسي راصدا لأحداثه مستنبطا دواخله ومقوما لاتجاهاته . وكان محوره الأول يدور حول سلبيات المجتمع الأندلسي بسبب ما انغمس فيه الناس من حياة اللهو والترف والمجون وانصراف عن الجهاد. وان الأمر لن يستقيم إلا برفع علم الجهاد تحت اية لا اله إلا الله. ومن هنا فالصوت الشعري لرثاء المدن في الأندلس يخالف الأصوات الشعرية الأندلسية الأخرى التي ألفها أهل الأندلس في الموشحات ووصف الطيعة والغزل وبقية الأغراض الأخرى.
ويلفت النظر ان عددا من قصائد رثاء المدن في الأندلس لشعراء مجهولين ويفسر ذلك إما لخشيتهم من السلطان القائم بسبب نقدهم للأوضاع السياسية أو أن عنايتهم بالحس الجماعي واستثارته كانت اكثر من عنايتهم بذواتهم الشاعرة. يقوم هذا الرثاء على مقارنة بين الماضي والحاضر، ماضي الإسلام في مجده وعزه وحاضره في ذله وهوانه. فالمساجد عدت كنائس وبيعا للنصارى وصوت النواقيس أضحى يجلجل بدلا من الأذان، والفتيات المسلمات انتهكت أعراضهن، والدويلات المسلمة تستعين بالنصارى في تدعيم حكمها، وتمتلئ جميع النصوص بشعور ديني عميق يطفح بالحسرة والندم.
الزهد والتصوف:
الزهد والتصوف والمدائح النبوية فلعل حياة الدعة والترف والمجون التي غرق فيها المجتمع الأندلسي أدت إلى اتجاه معاكس ، يفسر نزعة الزهد والتصوف التي راجت في الشعر الأندلسي. فالأندلسيون تفوقا على المشارقة في هذا الغرض غزارة في الإنتاج وتوليدا للمعاني ورسما للصورة المؤثرة القوية. ويلفت النظر ان عددا من شعراء الأندلس ادر كتهم التوبة بعد طول حياة لاهية فوجهوا طاقتهم الشعرية في آخر أيامهم الى طلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى ومرضاته وذم حياة اللهو والمجون والدعوة إلى الزهد والتقشف.
ومن أشهرهم في هذا المقام ابن عبد ربه وابن حمديس والغزال. ويقول ابن عبد ربه:
إن الذين اشتروا دنيا بآخرة وشقوة بنعيم، ساء مـا تجروا
يا من تلهى وشيب الرأس يندبه ماذا الذي بعد وخط الشيب تنتظر
لو لم يكن لك غير الموت موعظة لكـان فيه عن اللذات مزدجر
أما التصوف فقد اشتهر به من شعراء الأندلس أعلام على رأسهم شيخ المتصوفين ابن عربي ابن سبعين وابن العريف والشسترى وغيرهم.
الموشحات:
لون شعري نشا في الأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري اتخذ معناه من الدلالة اللغوية للوشاح والاشاح بما في ذلك من معاني التنميق التزيين. وكانت نشأة الموشحات استجابة لحاجة فنية أولا ونتيجة لظاهرة اجتماعية ثانيا. أما كونها استجابة لحاجة فنية فبيانه أن الأندلسيين كانوا قد اولعوا بالموسيقي وكلفوا بالغناء منذ ن قدم علهم زرياب واشاع فيهم فنه. فيظهر أن الأندلسيين أحسوا بتخلف القصيدة الموحدة إزاء الألحان المنوعة وشعروا بجمود الشعر في ماضيه التقليدي الصارم أمام النغم في حاضره التجديدي المرن. واصبحت الحاجة ماسة الى لون من الشعر الجديد الذي يواكب الموسيقي والغناء في تنوعهما واختلاف ألحانهما. ومن هنا ظهر هذا الفن الشعري النائي الذي تتنوع فيه الأوزان تتعدد القوافي والذي تعتبر الموسيقى أساسا من أسسه فهو ينظم ابتداء للتلحين والغناء.
و أما كون نشأة الموشحات جاءت نتيجة لظاهرة اجتماعية فبيانه ان العرب امتزجوا بالأسبان وألفوا شعبا جديدا فيه عروبة وفيه إسبانية، وكان من مظاهر هذا الامتزاج أن عرف الشعب الأندلسي العامية اللاتينية كما عرف العامية العربية أي انه كان هناك ازدواج لغوي نتيجة للازدواج العنصري. وكان لا بد أن ينشا أدب يمثل تلك الثنائية اللغوية فكانت الموشحات.
فالموشحات لها جانبان: جانب موسيقي يتمثل في تنويع الوزن والقافية وهذا قد جاء استجابة لحاجة الأندلس الفنية حين شاعت الموسيقى والغناء. وجانب لغوى يتمثل في أن تكون الموشحة فصيح في فقراتها ، عامية في خرجتها وهذا الجانب جاء نتيجة للثنائية اللغوية المسببة عن الثنائية العنصرية.
ثانيا: النثر الأندلسي
تماثل حالة النثر في الأندلس حالته في المشرق إلى حد بعيد. فالتأثير الفكري والفني بين الأندلس والمشرق كان متبادلا. وكانت رحلة العلماء والأدباء ضرورة علمية يحرص عليها. ومن ثم اتفق المشرق والأندلس في طبيعة الموضوعات والأساليب فعرف الأندلس طريقة الجاحظ في الكتابة وبديع الزمان الهمذاني والحريري في المقامات وابن العميد والقاضي الفاضل في الترسل. وفيما يلي أهم الفنون النثرية التي راجت في الأدب الأندلسي:
الرسائل الديوانية:
احتاجت الدولة الأندلسية إلى هذا اللون من الرسائل الذي عنى بالمضامين السياسية والإدارية والتشريعية والاقتصادية والاجتماعية وما إليها من مهام تتطلبها الدولة. وهي تصدر من ديوان الحكم، يكتبها الحاكم نفسه او يكتبها عنه كاتبه وتمثل المنشورات الرسمية التي ترسم سياسة الدولة ومن هنا كانت مادتها تشمل مختلف أمور الدولة ونظمها.
الرسائل الاخوانية:
هي ذلك اللون المتبادل بين لكتاب بعيدا عن الطابع الرسمي أو يعالج أغراضا تحمل الطابع الذاتي من تهنئة وتعزية وشكر او اعتذار أو عتاب وما إلى ذلك من العلاقات الاجتماعية بين الإخوان. وهي تعكس جانبا من جوانب الحياة الفكرية والاجتماعية والأدبية في الأندلس.
الرسالة الأدبية:
هي ذلك اللون من الترسل الذي يؤدى موضوعات كانت من قبل وقفا على الشعر وأسلوبها لا يخلو من سخرية او وصف او عاطفة كما ينقل إلى النثر أهم أدوات الشعر من خيال وتصوير. وهذه الرسائل تحتوى على نظرات في الحياة والأحياء وحكم عن النفس وموقف من المجتمع.
وتعد رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد بما فيها من خيط قصصي من أهم الرسائل الأدبية في الأندلس. ورسالة التوابع والزوابع قصة خيالية يحكى فيها ابن شهيد رحلة في عالم الجن قد اتصل خلالها بشياطين الشعراء، وناقشهم وناقشوه وأنشدهم وانشدوه، وعرض أثناء ذلك بعض آرائه في الأدب واللغة وكثيرا من نماذج شعره ونثرهن كما نقد خصومه ودافع عن فنه وانتزع من ملهمي الشعراء والكتاب الأقدمين شهادات تفوقه وعلو كعبه في الأدب. كل هذا مع بث كثير من الفكاهات ونثر الطوائف وإيراد الدعابات. وقد اختار ابن شهيد لرسالته اسم التوابع والزوابع لأنه جعل مسرحها عالم الجن، واتخذ كل أبطاله فيما عداه من الشياطين.
المقامات:
تنقسم المقامات الأندلسية إلى نمطين: النمط التقليدي وهو حكايات قصيرة يسودها شبه حوار وقوامها ببطل وراو وعقدة، ويتبع نموذج بديع الزمان الهمذاني في المشرق. والنمط الثاني غير تقليدي وهو اقرب للرسالة وقد يأتي في قالب قصصي او غير قصصي وقد يكون فيه طل وراو وعقدة او لا يكون.
عرفت الأندلس المقامة من خلال حركة المد الثقافي بين المشرق والأندلس. فانتقلت المقامة إلى الأندلس في عهد ملوك الطوائف وعارضها عدد ممن أدباء الأندلس مقلدين بديع الزمان الهمذاني. ثم انتشرت مقامات الحرير في الأندلس وعني بها علماء الأندلس و أهل الأدب عناية واسعة وقام أبو العباس الشريشي الأندلسي بشرح مقامات الحريري في أهم شروحها الثلاثة المسماة الكبرى والوسطى والصغرى .
الخاتمة
مما سبق نجد انه خلال الثمانية قرون البيئة التي عاش فيها الأدب العربي في الأندلس تأثر بتلك البيئة ، واثر في بيئته وفيما جاورها من بيئات. وليست تلك القرون الطويلة بالزمن الهين في تاريخ الأدب، وليست الأندلس بيئتها الطبيعية وظروفها الاجتماعية والسياسية بالشيء الذي يمكن إغفاله عند دراسة الأدب الأندلسي لما ما لها من اهمية في توضيح اصول وجذور هذا الادب الذي اصبح فنا قائما بحد ذاته وتراثا غنيا نفتخر به.
المصادر
1- الموسوعة العربية العالمية، الجزء 16 والجزء 14، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع.
2- د/ احمد هيكل، الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، الطبعة الخامسة، 1970، دار المعارف، القاهرة.
3- فون شاك، ترجمة: د/ الطاهر أحمد مكي، الشعر العربي في إسبانيا وصقلية، الطبعة الأولى، 1991، دار المعارف.
4- د/ شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، الطبعة العاشرة، دار المعارف، القاهرة.
الفهرس
مقدمة------------------------------------------2
الفنون الادبية في الاندلس
اولا: الشعر الاندلسي---------------------------------3
اتجاهات الشعر الاندلسي-------------------------------3
أغراض الشعر الاندلسي-------------------------------7
ثانيا: النثر الاندلسي---------------------------------13
الخاتمة-----------------------------------------16
المصادر----------------------------------------17

 

 



Add a Comment